ابن ميثم البحراني

328

شرح نهج البلاغة

لشبهه بما يحصد من الحنطة وغيرها ، واعلم أنّ الصدف وإن كان حيوانا ذو حسّ وحركة إلَّا أنّ له شبها بالنبات ولحوقا به من جهة أنّه ذو عرق في الأرض يغتذى به . وقد أجمل ما يخرج من معادن البرّ والبحر لتمييز السامعين بينهما ، وقوله : لأنّه الجواد الَّذي لا يغيضه سؤال السائلين ولا يبخله إلحاح الملحّين . إنّما كان هذا علَّة لعدم تأثّر جوده بهبة ما يعظم قدره ونقصان خزائنه بإخراجه منها لأنّ الجواد الَّذي شأنه ما ذكر إنّما كان كذلك لكونه ليس من شأنه أن يلحقه النفع والضرر والنقص بل نعمه غير متناهية ، واستعار لفظ الغيض لنعمه ملاحظة لشبهها بالماء الَّذي له مادّة تامّة لا ينقص بالنزح ، ومن روى : بغضبه . فلأنّ الغضب من لواحق المزاج ، والباري تعالى منزّه عنه فيتنزّه عن لواحقه ، وكذلك البخل رذيلة مكتسبة من البدن والمزاج تبعث إليها الحاجة والنقصان فمن لا يتزيّد ولا يتنقّص فلا يؤثّر في ملكه أن يهب الدنيا لمن سألها . الفصل الثاني : قوله : فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ - فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَائْتَمَّ بِهِ - واسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ ومَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ - مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ - ولَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ص وأَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ - فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ - فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ - واعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ - عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ - الإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ - فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ - عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً - وسَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ - فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً - فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ - ولَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ - فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ